الكريسماس... " أحاجي الشعوب ووقائع التاريخ ".. وتحول الروحانيات الى ثقافة الاستهلاك - المراقب الكريسماس... " أحاجي الشعوب ووقائع التاريخ ".. وتحول الروحانيات الى ثقافة الاستهلاك - المراقب

الخميس 04 يونيو 2020 - 4:58 م بتوقيت القاهرة

replica omega

الكريسماس… ” أحاجي الشعوب ووقائع التاريخ “.. وتحول الروحانيات الى ثقافة الاستهلاك

الأحد 29 ,ديسمبر 2019 - 5:57 م

المراقب : إميل امين

أرشيفية

أنه زمن الكريسماس، أي زمن ميلاد السيد المسيح، وقد جري العرف أن تكون الفترة التى تسبق الخامس والعشرين من ديسمبر من كل عام، مناسبة للبهجة والاحتفال حول النصف الغربي من الكرة الأرضية بنوع خاص، غير أن علامات استفهام عريضة ترتسم في الأفق حول هذه المناسبة التي يتداخل فيها الاجتماعي مع الثقافي، الأسطوري مع الحقيقي، المثال مع الرمز، إلي الدرجة التى تضيع معها المعاني والمباني الروحانية الحقيقية للميلاد المجرد من ثقافة الاستهلاك ، تلك التى أججت نيرانها رأسمالية الأسواق حول العالم.

في هذه القراءة نحاول تقديم عصف ذهني حول ظاهرة الكريسماس عبر التاريخ وحتي الساعة، وإن باختصار غير مخل وفي ذات الوقت بدون تطويل ممل.

ماذا تعني كلمة كريسماس بداية؟

كلمة كريسماس هي عبارة عن لفظ مزدوج مكون من مقطعين فأولا Christ وتعني المسيح ومأخوذة من اللغة اليونانية (كريستوس).

فيما المقطع الثاني Mas فهي كلمة مصرية الأصل، هيروغليفية الجذور تعني يلد أو To give birth.

فعلي سبيل المثال “تحتمس” بالفرعونية تعني المولود من تحوت، أو “رعمسيس” أي المولود من الآلة رع آله الشمس عند الفراعنة، ومن هنا جاءت كلمة “ماس” بمعني مولد السيد المسيح.
السؤال الذي يتردد دوما علي الأذهان… هل 25 ديسمبر هو التاريخ الحقيقي لمولد السيد المسيح؟

الجواب الشافي الوافي يحتاج إلي مؤلف قائم بذاته، لكن يمكننا القول أن هناك جذور لا علاقة لها بالمسيحية حول الاحتفال بهذا التاريخ، ذلك أن أول من صرح بوضوح أن السيد المسيح ولد في 25 ديسمبر هو القديس “هيبولتيوس” الروماني، في تعليقه علي كتاب النبي دانيال، كما أن بعض مفسري الكتاب المقدس يربطون هذا التاريخ بالاحتفال بعيد تكريس هيكل أورشليم، الذي أطلقه يهوذا المكابي في عام 164 قبل المسيح.

وفي مرحلة لاحقة في القرن الرابع، أخذ العيد هيكليته النهائية عندما حل مكان العيد الروماني المعروف باسم الشمس الظافرة “، وتم التشديد بهذا الشكل علي أن مولد المسيح هو انتصار النور الحق علي ظلمة الشر والخطيئة.
لماذا إذن يحتفل الشرقيون بعيد الميلاد في السابع من يناير كانون الثاني وليس في 25 ديسمبر كانون الأول؟

بسبب اختلاف التقويم اليولياني (نسبة إلي يوليوس قيصر وزمن الإمبراطورية الرومانية)، عن التقويم الغريغوري نسبة إلي البابا “غريغوريوس الثالث عشر” بابا روما عام 1825، ويرجح علماء أخرين أن مولد السيد المسيح كان في الصيف لا الشتاء، وأن التاريخ الميلادي الآن سقط منه سهوا في عمليات حسابية نحو خمسة أو ستة أعوام ما يعني أننا الآن في عام 2021 أو 2222.

أين جري الكريسماس الحقيقي؟

أين ولد السيد المسيح؟ يجمع المؤرخون أنه ولد في مدينة بيت لحم، ومعناها بالعبرية “بيت الخبز”، وهي مدينة تبعد عشرة كيلو مترات عن أورشليم “القدس” وترتفع 756 مترا عن سطح البحر.

المدينة لها تاريخ قديم في بني إسرائيل، لأنها شهدت ميلاد الملك داود، أشهر وأهم ملوكهم، وقد تحول موقع ميلاد المسيح إلي كنيسة أثرية مهمة للغاية هي “كنيسة المهد” وقد بناها الإمبراطور الروماني قسطنطين عام 355 ميلادية، وتعتبر من أقدم كنائس فلسطين والعالم، والأهم من هذا حقيقة أن الطقوس الدينية تقام فيها بانتظام منذ مطلع القرن السادس الميلادي، حين شيد الإمبراطور الروماني “يوستنيان” الكنيسة بشكلها الحالي.

تضم الكنيسة ما يعرف بكهف أو “مغارة ميلاد المسيح” وتزين المغارة نجمة فضية موجودة في المذود المطلي بالمرمر ومكتوب عليها باللغة اللاتينية “هنا ولد يسوع المسيح من العذراء مريم”، وداخل المغارة خمسة عشر قنديلا تمثل الطوائف المسيحية المختلفة، وقد تعرضت بعض أجزاء الكنيسة للدمار عدة مرات، كان أولها في عام 529 عندما دمرها السامريون، وفي زمن الحروب بين الفرس والروم تمكن الإمبراطور الروماني “هرقل” من طرد الفرس من ممتلكات الدولة الرومانية عام 641، وتعرضت وقتها كنيسة المهد للهدم، من قبل الفرس عام 614، بينما أبقي الفرس علي بعض مباني الكنيسة عندما شاهدوا نماذج من الفن الفارسي الساساني علي أعمدة وجدران الكنيسة.

والمثير أنه في زمن الحروب الصليبية، أنتزعها وأحتلها الصليبيون حيث وجدوا في مظهرها وعمارتها الخارجية الشبيهة بالحصون والقلاع مكانا مناسبا لإدارة معاركهم وتبقي كنيسة المهد حتي الساعة شاهد علي مولد المسيح مشرقيا في أرض فلسطين.

نجمة الكريسماس 500 ألف عام

تخبرنا الأناجيل أنه عند مولد السيد المسيح ظهر نجم عظيم في المشرق، ويتحدث “متي” الإنجيلي عن هذا النجم بشكل خاص، وقد وصفه المؤلف البريطاني الشهير “وليام باركلي” في موسوعته التاريخية بأنه عرف باسم “ميزوري” أي مولد أمير.

هذا النجم تتبعه علماء فلك من بلاد فارس وساروا وراءه في السماء إلي أن توقف فوق مدينة بيت لحم، وهناك وجدوه مع أمه السيدة مريم العذراء، وفتحوا هداياهم وقدموا له ذهبا، ولبانا، ومرا وهذه قصة لاهوتية عميقة أخري.

السؤال الآن الذي شغل العلماء مؤخرا ما قصة هذا النجم؟

في الأيام الماضية نشرت صحيفة “الديلي ميل” البريطانية الشهيرة تحقيقا عن نجمة الميلاد الأيقونة الشهيرة التى نراها عادة تزين أشجار الكريسماس، فقالت أنها لم تكن نجمة أصلا، بل كانت عبارة عن حدث فلكي مميز، حدث في السنة السادسة قبل التاريخ الميلادي، ليل 17 أبريل/ نيسان علي وجه التحديد، شهدت تقارب القمر مع المشتري، وزحل والشمس، في مجاورة كوكبية نادرة في فلك برج الحمل.

وعلي مدي أكثر من عقد، عكف بروفيسور الفيزياء الفلكية النظرية وعلم الكونيات في جامعة “نوتردام الأمريكية، “غرانت ماثيوز” على دراسة هذا النجم واشار الى أن علماء الفلك والمؤرخين وكذا اللاهوتيين فكروا كثيرا في نجمة الميلاد، وتساءلوا اذا كان في هذا الكون الحافل مليارات النجوم، فأيها سطعت بهذه القوة في ذلك اليوم تحديدا؟

اعتبر ” ماثيو ” أن الفيزياء الفلكية الحديثة هي طريقة العلماء في شرح أحداث الماضي الفلكية الكبيرة، ووفق البحث الذي أجراه فقد اصطفت الشمس مع المشتري مع القمر مع زحل في كوكب برج الحمل، بينما كان كوكب الزهرة في برج الحوت، وكوكبا عطارد والمريخ في الجهة الأخري من برج الثور… هل ظهور هذا النجم أو حدوث تلك الظاهرة أمر قابل للتكرار؟

يقول عالم الفلك “ماثيو” حتي بعد 500 ألف عام، لن يحصل تقارب كوكبي مماثل تماما كالذي حصل منذ 6 سنوات قبل التاريخ الميلادي.
شجرة الكريسماس فرعونية أم أوربية؟

كما أشرنا في المقدمة، هناك مسافة رفيعة جدا بين أساطير الشعوب وحقائق الأشياء التى نراها في حاضرات أيامنا، وهنا تبقي شجرة الكريسماس الشهيرة واحدة من تلك الأمثلة التى تتداخل فيها ثقافات الأمم وعادات الشعوب الاجتماعية، ذلك انه عندما نعود إلي قصة ميلاد السيد المسيح في المراجع الدينية وكذا التاريخية، لا نجد أي رابط بين حدث الميلاد وشجرة الميلاد فنتساءل من أين جاءت هذه العادة ومتي بدأت؟

الجواب كما وجدناه في الموسوعة البريطانية يحكي قصة مثيرة وخطيرة، تعكس حالة أوربا في القرون الميلادية الأولي، ومدي البربرية والوحشية التى كانت تعيشها في تلك الأوقات.

تقول القصة أن فكرة شجرة الميلاد قد بدأت في القرون الوسطي بألمانيا، حيث كانت العادة لدي بعض القبائل الوثنية التى تعبد الآلة “ثور” إله الغابات أن تزين الأشجار، ثم تقوم أحدي القبائل المشاركة بالاحتفال بتقديم ضحايا بشرية من أبنائها، غير أنه في عام 727م أوفد إليهم البابا الروماني “بونيفاسيوس” مبشراً، فشاهدهم وهم يقيمون احتفالهم تحت أحدي الأشجار، وقد ربطوا أبن أحد الأمراء وهموا بذبحه كضحية لألهم، فهاجمهم وأنقذ أبن الأمير من أيديهم ووقف فيهم خطيبا مبينا لهم أن الآلة الحي هو إله السلام والرفق والمحبة الذي جاء ليخلص لا ليهلكم،ثم قام بقطع تلك الشجرة ونقلها إلي أحد المنازل ومن ثم قام بتزينها، لتصبح فيما بعد ذلك عادة في الغرب برمته.

لكن القصة لا تتوقف عند هذا الحد، فهناك من يربط بين هذه الشجرة وبين الجذور الفكرية الفرعونية القديمة … كيف ذلك؟

نقرأ في كتاب عالم المصريات الكبير “جيمس هنري بريستد” والمعنون “فجر الضمير”، أن القصة لها علاقة بعودة إيزيس بالشجرة التى احتوت جثة أوزيريس، فيقول “عاد هذا الرب إلي الحياة مرة أخري متقمصا جسم شجرة خضراء، ولذا صار رمز رجوع الحياة التى تنبعث ثانية بعد الموت شجرة خضراء”، ونشأ عن ذلك الحادث عيد جميل يقام كل سنة تذكرة لتلك المناسبة وذلك برفع شجرة مقتلعة وغرسها في الأرض في محفل عظيم، وكانت تحمل فتغطي بالأوراق الخضراء، وتلك الشجرة هي التى انحدرت إلينا في صورة العيد الذي لا نزال نقيمه ونزينه بالابتهاج والرقص”…. أي عيد الكريسماس.

الجذور نفسها قد نجدها عند في الثقافيتين البابلية والإغريقية، فقد أطلق البابليون عليها اسم “شجرة الحياة”، وكانوا يعتقدون بأنها تحمل أوراق العمر في رأس كل سنة، فمن أخضرت ورقته كتبت له الحياة، ومن ذبلت ورقته، أو سقطت فهو ميت في يوم من أيامها، واستمر التقليد حتي اليوم في زرع شجرة أو زهرة لا تسقط أوراقها أمام المقابر علي نحو خاص.

من هو بابا نويل.. حقيقي أم خيالي؟

لا تكتمل معالم الكريسماس وملامحه الحقيقية أو الأسطورية إلا بحضور ذلك الرجل العجوز، أبيض اللحية حسن الوجه، أحمر الثوب والقبعة، يسمونه “بابا نويل” بالفرنسية، فيما الإنجليز والأمريكيين يطلقون عليها “سانتا كلوز”.

الأسطورة تقول أن “بابا نويل” يسكن القطب الشمالي في مكان ما من “جرين لاند” الجزيرة الأكبر في العالم التى يكسوها جليد أبدي.. وهناك في أعماق واد خفي شمال شرق الجزيرة يقف “بابا نويل” بكل هيبته أمام “كينجس جاردن” أي مزرعة الملك، مسكنه الذي يعيش فيه فيما يتدلي حول عنقه المفتاح الذهبي لمصنع الألعاب الذي يعمل فيه لإعداد الهدايا وليؤكد بإصرار علي أنه الوحيد الذي يضع البهجة.

هل الرجل حقيقة أم خيال؟

أحدي الروايات التاريخية العتيقة تقول أن “بابا نويل، ما هو إلا “القديس نيقولا”، ذلك الأسقف ذو اللحية البيضاء الذي عاش في القرن الرابع في آسيا الصغرى في مدينة “ميرا” في منطقة “ليقية” جنوب غرب تركيا… ويعتقد أنه البطريرك “نيكولاس” الذي حضر مجمع نيقية سنة 325 ميلادية، وقد نقل رفاته إلي مدينة “باري” الإيطالية الجنوبية سنه 1087 قبيل بدء الحروب الصليبية.

وكان معروفا عن نيكولاس أو “مار نقولا” كما يسميه العرب كرمه حيال الأطفال ودفاعه عنهم وإحسانه إليهم ويقال في قضية شهيرة أنه منح ثلاث عذاري فقيرات ليلة عيد الميلاد أموالا مكنتهم من الزواج… وقد جعلته هذه القصص عن حياته وكرمه شخصا يرمز إلي سلوكه بالعطف والحنان علي الأطفال.

لكن أبحاثا علمية جديدة جرت علي يد عالمة الآثار “رولين ويلكنسون” باتت تخبرنا اليوم أن ” سانتا كلوز” لم يكن أبدا بالمواصفات التى نراها اليوم لبابا نوبل الشهير ما يعني أن كل أمة أو شعب باتت تخترع من عندياتها الرجل الذي يلائمها.. كيف ذلك؟

تقليديا نعرف أن هذا القديس الذي ترقد رفاته في سرداب كنيسة علي اسمه في “باري” جنوب إيطاليا، يحمل ملامح شيخ ملتح، ولكن لا نعرف أكثر من ذلك عن وجهه، غير أنه في عام 1950، عند إصلاح سرداب الكنيسة وبناء علي طلب من الفاتيكان، تم أخذ الآلاف من القياسات بدقة مفصلة وصور شعاعية من الجمجمة والعظام الأخرى، أبتدات الدراسات ووضعت النماذج بحسب البيانات، وقد جاءت النتائج مثيرة بالفعل عبر صورة ثلاثية ألأبعاد، فقد تبين أن الرجل في منتصف العمر يحمل ملاح شرق أوسطية، وذو لحية طويلة، وفك مربع، ويبدو أنه قد تعرض لكسر في الأنف التأم بشكل غير متوازي، وتظهر الصورة القديس ببشرة لوحتها شمس البحر المتوسط، بني العينيين، رمادي الشعر واللحية.

الكريسماس وثورة الشتاء الأبيض

هل كانت احتفالات الكريسماس عند الأوربيين والأمريكيين علي نحو خاص شكل من أشكال الهروب من قسوة الطبيعية وبروة الشتاء القاتل ولذلك رأينا المكانة الكبري للكريسماس في الغرب البارد دون مثل تلك الأهمية في الشرق الدافئ؟

الثابت تاريخيا أن أوربا عانت من البرودة القاتلة قرونا طويلة، ولم تعرف حياة الرفاهية إلا بعد ظهور الطاقة بإشكالها الأولية، والفحم في مقدمتها، وقد كانت ليالي الشتاء الطويلة والباردة تتسبب في انتكاسات نفسية كبيرة لشعوب القارة، ويخبرنا عدد من المؤرخين أن حالات الانتحار كانت تكثر في فصول الشتاء، وقد هال الأوربيين لاسيما أولئك الذين شاركوا علي مدي قرنين من الزمان تقريبا في الحروب الصليبية، ذلك الدفء الطبيعي والإنساني الذي وجدوه في الشرق بنوع خاص، ولذا حين عودتهم إلي بلادهم حاولوا أن يجعلوا من زمن الكريسماس أداة إنسانية للفرح وللتغلب علي قساوة الطبيعة، ولتبادل الهدايا، ومن هنا نشأت شخصية بابا نويل رجل الفرح والبهجة القادم علي عربته الشهيرة التى تجرها الغزلان علي الثلج في “جيرولاند” أو حتي علي ظهر قارب أو أو جمل في بلاد لا تقل فيها درجة الحرارة عن 30 درجة مئوية، إلا أن هذا الأمر لم يكتمل ويصبح عرفا، إلا في القرن التاسع عشر… لماذا؟

لأنه وقتها غمس فنان الكاريكاتير “توماس بنست” ريشته في الألوان ورسم علي الورق “سانتا كلوز” سمينا ذا خد متورد ولحية بيضاء طويلة، احتفالا بأعياد الميلاد، ونشرتها أحدي المجلات، ومن وقتها أصبحت هذه الصورة هي المعتمدة لشخصية بابا نويل، كما أنها جاءت تتويجا لمحاولات كثيرة بدأها الفنان “جون كالكوت هورسلي” المعروف بأبي بطاقات عيد الميلاد ورأس السنة وذلك عام 1843، عندما قام برسم بطاقات تبين عائلة سعيدة يتعانق أفرادها، وهم يتمتعون باحتفالات عيد الميلاد ويتبادلون التهاني والهدايا التى وجدوها أمام باب المنزل… كيف انتقل الكريسماس بمعناه الروحي إلي المشاهد الرأسمالية المنحولة التى نراها اليوم؟

أمريكا كريسماس بـ 19 مليار دولار

الذين قدر لهم أن يمضوا زمن الكريسماس في الولايات المتحدة الأمريكية يدركون كيف أن الأمر هناك أكتسب مذاقا عالميا رأسماليا تجاريا، لا علاقة له بالمرة، بيسوع الناصري، الذي ولد فقيرا، وكان ينادي بالرحمة والاهتمام بالفقراء والمساكين.. قصة الكريسماس هناك مثيرة للغاية ذلك أنه حتي العام 1836 كان الاحتفال بالكريسماس جريمة في الولايات المتحدة الأمريكية، جريمة تستوجب العقاب والمسائلة القانونية، فقد كان ينظر إليه علي أنه عيدا وثنيا، والمثير جدا معرفة أنه لم يتم تبني الكريسماس كاحتفال رسمي إلا في أوقات لاحقة.

حديثا بات الكريسماس في أمريكا مرادفا وصنوا للنزعة الاستهلاكية إذ تبتكر الشركات والمصانع في منتجاتها بغرض ترويجها في زمن الهدايا، بدءا بالمأكولات والملابس والسيارات وكافة أنواع السلع الاستهلاكية.

تفيد بعض البيانات والأرقام بأن متوسط انفاق الأمريكيين في الفترة ما بين أول ديسمبر و 25 منه، تصل تقليديا إلي ما نحوه 19 مليار دولار، وهو رقم يتزايد في السنوات الأخيرة، ذلك رغم الأزمة الاقتصادية الطاحنة التى ضربت البلاد في الأعوام الأخيرة، وأن كان الخبراء الاقتصاديين أو البعض منهم يري في الأمر ظاهرة ضحية انطلاقا من أن الانفاق سيصب بشكل أو بأخر في صالح الاقتصاد الأمريكي، وسيعمل علي تعافيه من أزمته، لكن علي الجانب الآخر هناك من يري أن موسم الكريسماس أضحي مناسبة لـ تسليع الإنسان”، بمعني أنه جعل الإنسان نفسه يدور في فلك البيع والشراء، الأمر الذي يؤذي ولاشك مشاعر الفقراء وأصحاب الدخول المنخفضة، ناهيك عن المعدومين.

أضحي الكريسماس في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم ميدانا لمعركة فكرية بين العلمانيين والليبراليين من جهة، وبين المحافظين والمتدينين من جهة ثانية، الفريق الأول يري أن أهم ما يميز أمريكا هو هويتها العلمانية وفصل الدين عن الدولة، لذا فإن موسم الكريسماس لا يتسق وملامح أمريكا العلمانية بحسب التعديل الأول من الدستور الذي ينص علي عدم الخلط بين الدين والدولة، أما الفريق الثاني فيري في أمريكا دولة وأن كانت علمانية الهوية، إلا أنها مغرقة في الهوي الديني وأن جذورها مسيحية – يهودية، وعليه فالاحتفالات يجب أن تصبغ بالجانب الديني.

الصراع الآن أمتد إلي دونالد تامب الذي استنكر أن يتحول شعار “ميري كريسماس” أو عيد ميلاد سعيد بمفهومه الديني إلي أعياد سعيدة، بالمعني العلماني التقليدي للأجازات عامة.

الجدل في واقع الحال أمتد مؤخرا إلي بعض القنوات الإعلامية الكبري في البلاد مثل “فوكس نيوز” المعروفة باتجاهاتها اليمينية التى لا تداريها أو تواريها، فمنذ بداية الألفية الثالثة، نري “فوكس” مدافعة عن ملمح وملمس الإيمان الأمريكي ومدافعة عن الاتجاهات الدينية المحافظة، في مواجهة ما أصطلح علي تسميته “الحملة العلمانية التقدمية الشرسة”، وفقا لـ “بيل أورايلي” أشهر مذيعي القناة المذكورة، حيث كثيرا ما يختم رايلي برنامجه الحواري الذي حظي، بأكثر نسبة مشاهدة في الأعوام الأخيرة بأنه يتمني لمشاهديه “كريسماس سعيد، خلاف باقي مذيعي البرامج الحوارية في القنوات الأخرى الذين يختتمون برامجهم بعبارة أجازة سعيدة.

أمريكا التى يأتيك منها عجيب وغريب ومثير، تصدح فيها أغاني الكريسماس التى تروج للمبيعات، لا للروحانية المسيحية، والأعجب أن كتاب مثل تلك الأغاني من يهود أمريكا الذين لا يؤمنون بمولد المسيح من الأصل، ومن أشهر أغاني الكريسماس المحبوبة هناك، والتى حظيت ولا تزال بشعبية كبيرة جدا تأتي أغنية Jingle Bells والتى كتبت في البداية لعيد الشكر، واعتبرت لاحقا أغنية الكريسماس الرسمية، علي مستوي العالم لأمريكا فقط.

كريسماس للفقراء واللاجئين والمهاجرين

شئ ما يتحرك في أحشاء الغرب مؤخرا رافضا تفريغ الكريسماس من معناه ومبناه الروحي العميق، الأوربيون اليوم بنوع خاص يتحدثون عن الكريسماس الذي تحول إلي موسم استهلاكي، حيث نجح سوق الهدايا في أن يفرض نفسه بعد الحرب العالمية الثانية، وتحقق المعجزة الاقتصادية، لقد فقد الكريسماس القيم الروحية والتطلعات الإنسانية، ولا يمكن أن يسترد قيمته إلا عبر الشركة والمساواة والقيمة، التى تسبغ علي كل إنسان حول الأرض.

أحد أفضل القلوب والعقول التى تحاول العودة بالأوربيين وبمسيحي العالم إلي حدود “المسيحية الإنسانية”، هو البابا فرانسيس الأول بابا روما الحالي، فغداة التقاءه في الأول من ديسمبر الجاري بوفدين من مالطا ومن مقاطعة “ترينتينون” قدما شجرة الميلاد والمغارة التقليديين اللتين تقامان سنويا في ساحة القديس بطرس بحاضرة الفاتيكان، تحدث البابا عن كيفية جعل الكريسماس مناسبة حقيقية لإظهار التعاطف الإنساني والروحاني مع اللاجئين والمهاجرين عبر البحر بنوع خاص.

قال البابا فرانسيس “أن تجربة هؤلاء الأخوة والأخوات المؤلمة، تذكر بيسوع الطفل، الذي لم يجد وقت ولادته سكنا وجاء إلي العالم في مغارة بيت لحم، ومن ثم انتقل إلي مصر هربا من تهديد هيروس، لافتا إلي أن من سيقوم بزيارة هذه المغارة مدعو إلي إعادة اكتشاف قيمتها الرمزية التى تمثل رسالة أخوة وتقاسم وترحيب وتضامن.

كما توجه البابا بالحديث إلي الأطفال الذين ساهموا هذا العام أيضا بتزيين شجرة عيد الميلاد بدعم من مؤسسة “ثون لين”، التى تدير ورش العلاج بالسيراميك في عدد من المستشفيات وقال :” أن الكرات الملونة التى صنعتوها تمثل قيم الحياة والمحبة والسلام، والتى يعود ليطرحها علينا عيد ميلاد المسيح كل عام من جديد.

المتأمل جيدا لكلمات البابا يري رفضا واضحا لعملية “عولمة الكريسماس”، بعد أن تحول الكريسماس إلي كرنفال استهلاكي لا ينتهي وتعتاش عليه صناعات بأكملها من أمريكا وحتي الصين، وفيما عدا البطر الاستهلاكي المنتشر ونضوب فرح الأطفال بالهدايا، فقد نسي الناس بالتأكيد ما تعنيه الرموز التى يشترونها في العيد، وهل لها علاقة بالعيد المسيحي الأصل والجذور أم بدورة رأس المال، وقوي السوق، التى تحاول تفريغ العالم من كل رونق روحاني إيماني أممي، لصالح حياة المظاهر التى قزمت الإنسانية، بالضبط كما حاولت الشيوعية أن تسحق الإنسان من قبل.

كريسماس الشرق الحزين..!!

كيف يحل الكريسماس علي مسيحي الشرق أو المسيحيين العرب هذه الأيام؟ هناك مفارقة شديدة القساوة من تصاريف القدر، ذلك أن المسيحية التى ولدت ونشأت مشرقية، نراها تتألم وتحتضر إلي حد يظن بها الموت في مهدها.

هل رفعتم عيونكم لجهة فلسطين الحزينة حيث بيت لحم وكنيسة المهد؟ حواجز وجدران الاحتلال تقطع كل شئ بل وتشوهه، إسرائيل ماضية قدما في تهويد القدس، ومحاولة إفراغها من سكانها الأصليين من مسيحيين ومسلمين عرب، إسرائيل اليوم تسعي لاستصدار قانون يمنع الأذان، وغدا ستفعل الشئ عينه مع أجراس الكنائس، في بيت لحم والقدس، في الناصرة والخليل.

لا تحافظ إسرائيل علي المقدسات المسيحية إلا لغرض استجلاب السياحة، والترويج لنفسها، في حين تبقي بقية المقدسات الإسلامية في خطر بالغ، وفي المقدمة منها الأقصى المبارك.

كريسماس المسيحيين العرب في العراق حزين، هجرت داعش غالبية الحضور المسيحي هناك، قتل من قتل، وبات الأحياء منهم لاجئين حول العالم، يعد أن لعبوا دورا بالغ الأهمية في صدر الحضارة الإسلامية، عندما كان السريان منهم وفي العصر العباسي تحديدا، يقومون بترجمة التراث اليوناني والإغريقي إلي اللغة العربية، ومنه إلي اللاتينية فكانوا بذلك فجرأ مضيئا لأوربا الغارقة، في ذلك الوقت في الظلام.

المسيحيون في سوريا لا يختلف حظهم كثيرا عن العراق، فست سنوات من الحرب الأهلية الطاحنة، ومن هجومات داعش علي الكنائس والمكتبات والأديرة، عطفا علي اختطاف رجال الدين، والتنكيل بغيرهم، جميعها جعلت من المستقبل غير مأمون أو مضمون.

ماذا عن أقباط مصر؟ كان نصيبهم هذا العام محزنا وحزينا فقد صممت داعش أن ترسل إليهم بهداياها من الانتحاريين لتوقع عشرات القتلي والجرحي، في محاولة لشق الصف والنسيج الاجتماعي المصري، ورغم وقوف الأقباط صفا واحدا مع مسلمي مصر، ومحاولة الزود عن أمن وأمان المحروسة، إلا أنه من الطبيعي للغاية أن يكون هناك غصة في الحلق، ومرارة في الفم، ما يعني أن كريسماس هذا العام فقد طعمه.

علي أن ما يخفف من الآلام هو وجود حاضنات للتسامح والتصالح في العالم العربي، في زمن الكريسماس، كما الحال في دولة الأمارات العربية المتحدة، التى تحترم إلي أبلغ حد ومد الحرية الدينية، وتصون الكرامة الإنسانية، وتحفظ حق القائمين والوافدين وكل من يتواجد علي أرضها في مباشرة شعائره الدينية وطقوسه الإيمانية، لتعيد التذكير بملمح من ملامح الحضارة الإسلامية في عظمتها عندما كانت تقبل الآخر، قبولا طوعيا حقيقيا دون تمييز أو فرز أو تعصب.

ليلة الكريسماس الحقيقية، ليلة الميلاد المثالية، تلك التى يمحي فيها البغض، وتزهر فيها الأرض، وتدفن الحرب، وينبت الحب.

عندما نسقي عطشان كأس ماء نكون في الكريسماس الحقيقي، والأمر ذاته عندما نكسي عريان ثوب حب، أو نجفف الدموع في العيون، أو نملأ القلوب بالرجاء ساعتها فقط نعرف معني الكريسماس الحقيقي.

ليلة ولادة السيد المسيح رتلت الملائكة المجد لله في الأعالي وعلي الأرض السلام وفي الناس المسرة”.

الصور التالية ترصد احتفالات العالم بأعياد الكريسماس..!!

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

replica hublot