كتاب يستحق القراءة " من أين ندخل الي التسامح " - المراقب كتاب يستحق القراءة " من أين ندخل الي التسامح " - المراقب

الجمعة 03 إبريل 2020 - 10:03 م بتوقيت القاهرة

replica omega

كتاب يستحق القراءة ” من أين ندخل الي التسامح “

السبت 15 ,فبراير 2020 - 8:40 م

المراقب : عرض ومناقشة : إميل أمين

غلاف الكتاب

بات العالم في العقود الاخيرة امام حالة تنامي غير مسبوقة من الكراهية والعداء ، حالة تكاد تذهب بالجميع الى مواجهات كونية وحروب عالمية ، الامر الذي تسببت فيه ولا شك موجات الاحقاد والضغائن التي باتت القلوب تحملها شرقا وغربا .

والشاهد ان الناظر الى حال العالم يمكن ان يجد تقسيما بغيضا لا مكان فيه للمودات ، ففي الغرب نشهد مؤخرا تنامي غير محمود للتيارات القومية والشوفينية ، وللجماعات العنصرية التي تستند في دعواها الى الاصول العرقية ، والبعض يختار المسالة الدينية كمعيار للحكم ، وهنا يكثر الحديث عن الاسلاموفوبيا ، وكأن اوربا قد عادت مرة جديدة الى سيرتها الاولى في النصف الاول من القرن العشرين ، حين كادت النازية والفاشية ان تذهبا بالقارة العجوز الى ما وراء الانسانية ، وقد كلف الامر بالفعل نحو ست سنوات مستمرة وسبعين مليون ضحية وضعفهم من الجرحى ، ناهيك عن الخسائر الاقتصادية .

وفي الشرق تبدو الاصوليات الضارة تضرب من جديد ، وما القاعدة وداعش والجماعات الجهادية والتكفيرية سوى افراز لفكر يرفض الاخر ، ولا يؤمن الا بطرح احادي الذهن، يقوده التعصب والتمذهب ، ويقتل على الهوية عبر الطرقات ، بل ويذبح على شاطئ البحر والنهر كما راينا في ليبيا قبل بضعة سنوات .
ما هو الحل ” ومن اين ندخل الى التسامح ؟”، هذا هو عنوان كتاب المفكر العربي الكبير الاستاذ محمد وردي ، صاحب المؤلفات العديدة التي تشاغب الفكر وتساءل الايقونات ، والتي تفتح الدروب امام التفكير العميق ، عل الانسانية تستيقظ من غفلتها الآنية ، وتعلم ان الكراهيات لا تقيم الاوطان ، بل التسامح البناء والخلاق والايجابي ، وليس افضل من مثال ” نيلسون مانديلا “، في جنوب افريقيا ، الرجل الذي ترفع عن شهوة الانتقام من جلاديه ، ولهذا استطاع قيادة بلاده والجنوب افريقيين في طريق البناء والنماء ، بعد ان ترك من وراءه فكر الثأر وملا التسامح قلبه .

ما الذي يقدمه الاستاذ ” محمد وردي “، في كتابه القيم الصادر حديثا عن ” دار هماليل “، للطباعة والنشر والتوزيع في دولة الامارات العربية المتحدة ، والذي يقع في اكثر من ثلاثمائة صفحة من القطع المتوسط ؟

يحتوي الكتاب على ثمانية فصول بحثية معرفية من الوزن الفكري الثقيل ، تبدا بمقاربات التسامح ، وتنتقل الى مسالة تجديد خطاب التسامح ، ثم التسامح في السياق العربي ، مرورا بالتسامح في الاسلام ، ثم ملاحظات وخلاصات ، الى ان يصل في الفصل السادس الى ما يسميه اسس تجديد وتطوير خطاب التسامح ، ومن بعد استعادة العقل العربي الفاعل ، ونهاية بالحديث عن المثبطات والمحبطات ، والتي تتقاطع حكما مع دروب التسامح في الحال والاستقبال .
احلى الكلام الذي يمكن للمرء ان يقدم به كتاب الاستاذ ” وردي ” هو ما اشار اليه المفكر اللبناني الكبير الدكتور ” فردريك معتوق “، في مقدمته والتي جاءت تحت عنوان ” التبيئ المعرفي للتسامح “، وعنده انه اضحى اليوم مصطلح التسامح من الكلمات ، المفاتيح ، المعتمدة في الادبيات الخليجية ، وهذا امر مفرح وواعد في آن ، فهو مفرح لانه يشير الى تجديد طوعي للبنية المفاهيمية العربية ، الشديدة التردد في التعامل مع المصطلحات النوعية الوافدة من الغرب ، خلافا لما يحصل في مجالي المصطلحات التكنولوجية والاستهلاكية ، وهو امر واعد لانه يفتح الباب امام المساهمة المحلية في بناء مفهوم ليس ملكا لشعب ما ، او لحضارة بعينها وانما هو ارث مشترك للبشرية جمعاء .

الدكتور معتوق يرى ان الاستاذ محمد وردي المؤلف يقوم في كتابه الجديد بتقديم اضافة وازنة على مفهوم التسامح ، حيث لا يكتفي بتعريبه وتاويله ، بل يقوم بتبييئه معرفيا ، كاشفا عن جذور متينة وعميقة له في الثقافة العربية القديمة ، كما في الدين الاسلامي .

يدعو الاستاذ وردي الى عدم الاكتفاء بالتعامل مع التسامح من منطلق وجداني وعاطفي ، مشيرا الى ضرورة التعامل مع هذا المفهوم كمنظور فكري جديد ، لحياة المجتمعات العربية المعاصرة ، علما بان الامر دونه عقبات جمة ، اولاها العقبات المعرفية ، ذلك لان الارث الثقافي العربي الذي يتعامل ويتمسك به ابناء لغة الضاد ، مثقل بتكلسات ذهنية ، ترسخت مع مرور الزمن ، فتحولت الى افكار واحكام مسبقة ، منها عدم الرغبة بمساءلة عقلانية لهذا الموروث ، الذي يجري التعامل معه بشيء من القداسة او على الاقل يجري اعتباره في الوعي العام ، بمثابة رديف للدين ، فلا نقاش للتراث ، ولا نقد له ، وانما فقط تجميد وتمجيد .

ولان الكتاب من الجزالة والرصانة بمكان ، فها هو المفكر التونسي الدكتور عبد السلام المسدي الدبلوماسي والاكاديمي الكبير ، يقدم لكتاب الاستاذ وردي بطرح رائع عنوان ” البحث في الانسان” ، وعنده ان المؤلف محمد وردي في كتابه هذا يعالج قضية جوهرية تقع في مركز دائرة تربطه بمحيطها شعاعات متتابعة ، ومن اجل ذلك توخى من المناهج ، ذاك المنهج الذي امسى ينعت بالبيني ، على معنى تمازج الاختصاصات ، وبفضله يتاح للكاتب ان ياخذ من كل حقل ما يزيد بحثه عناء ، وما يتعدد به القراء الذين يتلقون دلالات الخطاب ، ولعل هذا ما يفسر مجئ العنوان في قالب سؤال ” من اين ندخل الى التسامح “، والتساؤل كما يقال هو مفتاح باب التامل الفكري ، وهو بالتالي مفتاح الفلسفة ، وقديما قيل : اولى خطى التفلسف الدهشة ثم التساؤل .

اورد المؤلف شواهد من التراث العربي الاسلامي فيها اقوال تشع كالدرر في باب التسامح منسوبة الى رواد كبار في التامل الفلسفي الخالص ، وفي احياء علوم الدين ، وكذلك في ” فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال “، وكان في كل ذلك على ادراج ابي يوسف الكندي وابي حامد الغزالي وابي الوليد ابن رشد ، وستمر قرون وقرون حتى ياتي في الحضارة الغربية من سيعلي من حظوة التسامح ، ليقول قولا غدا مضرب الامثال ” اني اخالفك الراي ، ولكين على استعداد لادفع حياتي ثمنا لحريتك في ان تصدح برايك “، الا وهو الاديب الفرنسي الذي اوقد شموعا اضاءت عصر الانوار ، انه فولتير .

 

كتاب الاستاذ محمد وردي يستدعي من ذاكرتنا انموذجا من المثقفين اشاد به الرقي الحضاري المعاصر ، وتفنن الفلاسفة في الحاق الصفة الملائمة لوظيفته ، فتعددت النعوت وتنوعت بين صناعها من امثال :جون بول سارتر ، وميشال فوكو ، ثم بيير بورديو ، دون ان ننسى الايطالي انطونيو غرامشي ، ولنا ان نختار من الصفات لنقول المثقف الملتزم او المثقف المناضل ، او العضوي او حتى النقدي .
ويبقى السؤال قبل الرحيل :” هل ينبغي علينا ان نهنئ الكاتب الاستاذ محمد وردي على صدور كتابه القيم هذا ، ام نهنئ القارئ العربي الذي بات لديه مرجع من التراث والحداثة عن التسامح كمعنى ومبنى ؟.

اغلب الظن التهنئة واجبة للاثنين معا .

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

replica hublot