إميل أمين.. تماثيل العبودية والقفز على العنصرية - المراقب إميل أمين.. تماثيل العبودية والقفز على العنصرية - المراقب

الاثنين 13 يوليو 2020 - 3:52 م بتوقيت القاهرة

replica omega

عرفت البشرية منذ وقت بعيد فن النحت، الذي يعد من أقدم أنواع الفنون، وأعتبرت المنحوتات أو التماثيل شهادات على التاريخ لاقوام سادوا ثم بادوا، ولهذا تجدها تراث إنساني منتشر حول العالم، أبدعها الفراعنة بداية، وقلدهم الرومان لاحقاً، عرفتها حضارات المايا والازتيك، وتجدها عند الاسيويين أيضاً، وجلها صنعته الأيادي البشرية على نحو أو أخر إما لتخليد ذكرى إنسان، أو لتقص علينا أقصوصة تاريخية لحرب أو أسطورة، بل أن الالهام الفني جعل بعض الشعوب تضع تماثيل ومنحوتات متباينة لشخصية واحدة، وفي كل الاحوال تبقى التماثيل حاضنة من بين حواض ذاكرة الأمة أو علامة من علامات منتجها الثقافي والاجتماعي والفني في عصر من العصور.

على أن السؤال لماذا الآن فتح هذا الملف؟ الجواب بالقطع يتصل بما يجري في الولايات المتحدة الأمريكية من ثورة، أنطلقت شرارتها قبل ثلاث سنوات في مدينة “شارلوتسفيل” بولاية فيرجينيا، عندما أقدم عدد من الأمريكيين ذوي الأصل الافريقي على هدم نصب تذكاري للجنرال “روبرت لي” أحد رموز العنصرية والحرب الاهلية والمؤيد للعبودية، وها هي تمضي قدما اليوم بعد حادث جورج فلويد ، بل وتتجاوز الولايات المتحدة الامريكية الى عدد من دول اوربا كما راينا مؤخرا .

لم يرق هدم التمثال للتيار اليميني الأمريكي، لاسيما الجماعات ذات الطابع العنصري مثل النازيين الجدد أو الكوكلس كلان، أو غيرهم من القوميين والشوفينيين الذين يرون في الجنرال “لي” أحد الأبطال الذي دافع عن الجنوب حتى اللحظات الأخيرة، وعلى هذا فإن نصبه يستحق أن يبقى حاضراً وشاهداً، ولا يسمح بالاقتراب منه.

والشاهد أن التماثيل والنصب التذكارية التي تخلد ذكرى القيادات الأمريكية تنتشر في طول البلاد وعرضها، والكثير جداً منها يتصل بما يعرف فترة “الكونفيدرالية”، ذات الدلالة الواضحة على العبودية والرق، لاسيما في جنوب البلاد، والولايات الكونفيدرالية هي التي أرادت الانفصال عن الاتحاد الفيدرالي الأمريكي وحاربها ابراهام لنكولن.

ولعل السؤال محل البحث هل التماثيل الأمريكية الحالية باتت في عيون الأمريكين أكثر من مجرد قيمة فنية وانسانية حتى تقود إلى هذا التناحر العنصري والصراع الهوياتي القاتل؟ وهل يمكن أن يضحي العمل الفني نوعاً من أنواع العار الثقافي إن جاز القول؟

الصراع الدائر في أمريكا اليوم يتسع نطاقه يوماً تلو الأخر، فلم تعد فيرجينيا فقط المهددة بداء العنصرية، بل انتقل المشهد إلى مدن مثل “نيواورليانز”، و”ريتشموند”، حيث كتب اقرباء لـ “ستونول جاكسون” أحد الزعماء الجنوبيين رسالة لعمدة المدينة يطلبون فيها إزالة تمثال جدهم وعلى تماثيل المؤيدين للاستعباد في المدينة.

جاء في الرسالة التي كتبها “جاك ووارن كريستيان” وهما من احفاد جاكسون، إن إزالة التماثيل “ستسهل التحاور الصعب بشأن الانصاف بحق جميع الناس”. وأضاف: “لا نشعر بالعار تجاه جدنا، لكننا نشعر بالعار “حين يستفيد منه القوميون البيض، بينما يتألم أصدقاؤنا وأفراد عائلتنا السود … نشعر بالعار من التمثال”.

هل يمكن للمرء أن يصدق هذه الكلمات الصادرة عن مواطنين أميركيين في القرن الحادي والعشرين يربطون بين النموذج المنحوت كجزء من مسار التاريخ، وكشاهد على أحاجي الكون وقصص الانسان، بمفهوم العار، ذلك الحد السلبي من القيم والمنظومة الاخلاقية، أبداً ودوماً عبر التاريخ.
يمكن القول قطعاً أن هناك حلقة ما مفقودة في “ثورة التماثيل الأميركية” على نحو خاص، حلقة موصولة حكماً بالمشهد السياسي الأمريكي الداخلي، ذاك الذي تعرض لحالة من حالات الاهتراء المجتمعي ولا شك في العقد الأخير.

بداية تكشف لنا “ثورة التماثيل” في مدن أمريكا أن هناك عنصرية كامنة تحت الجلد لم تمت بعد رغم قرابة مائتي عام من استعلان الفيدرالية، وسقوط الكونفيدرالية، الأمر الذي تجلى في الاسقاط السريع على التماثيل ما بين البيض القوميين، والسود الرافضين للمسيرة العنصرية.

وتالياً تكشف لنا الأزمة الأخيرة عن رابط جذري بين الحياة السياسية وانتكاساتها، وبين السياقات الاجتماعية الاهلية وانسيابيتها، فقد قدر الكثيرون أن وصول باراك أوباما إلى سدة الحكم في البيت الأبيض أمر كفيل بإزالة الاحقاد من الصدور، لكن الواقع يظهر العكس، فقد إزدادت الاعمال العنصرية، إلى درجة غير مسبوقة.

ولعل السؤال المطروح على مائدة النقاش هل وجب على الفنون أن تدفع ثمن الخلافات السياسية، بل وبعض من النظريات الايديولوجية لا لليمينيين ولا للسلفيين الأصوليين فقط، بل لجهات أخرى؟

الربط في أميركا اليوم، أضحى بين التماثيل وبين التيارات الفكرية والتاريخية، عطفاً على النظريات السياسية والاقتصادية.
خذ إليك على سبيل المثال المطالبات بإزالة تمثال “جان دارك” الذي قدمته فرنسا هدية عام 1972م للمدنية الأمريكية ذات الإرث الفرنسي، وينظم من حول تمثالها هذا مسيرة سنوية تطلقها مجموعة مكرمة لهذه الشهيدة التي تعدها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية في مصاف القديسين، نظراً لما قامت به من بطولات في حرب فرنسا ضد إنجلترا.
مؤخراً وجدت كتابات عنصرية على قاعدة تمثالها، والآن تأتي المطالبات بالإزالة التام .. أما لماذا؟ فلأن زعيمة الجبهة الوطنية الفرنسية “مارين لوبان” والتي حاولت الوصول إلى قصر الاليزيه وحكم فرنسا مؤخراً، قد دعت إلى تظاهرة مضادة للاجئين في باريس أنطلقت من ميدان به تمثال لجان دارك مشابه لذاك الموجود في “مدينة نيواورليانز” الأمريكي.
الصراع هنا لا يخلو من مسحة دينية يفهمها كاثوليك أميركا الذين يبلغون نحو ثمانين مليون بنوع خاص، حيث قضية التماثيل تتشابك فيها الايمانيات بالتاريخيات وهناك على سبيل المثال جدال قائم حول ذكرى “كريستوفر كولومبوس” و “جوينيروسيرا” اللذين هما في نظر البعض رمزاً لقمع الأوربيين للشعوب الأصلية، في حين يبجلهما البعض الأخر على اعتبارهما مساهمين في الثقافة الايطالية والاسبانية والكاثوليكية.
الخلاصة ..ان لم نلق جانبا كافة الخلفيات العنصرية التاريخية ونلتفت الى افاق الحوار والتعايش المشترك ، فان العالم بشرقه وغربه سوف يضحى مكانا للحروب والصراعات، فانظر ماذا ترى ؟.

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

replica hublot