إميل أمين.. فرنسيس الاسيزي ...دعوة للسلام والحوار - المراقب إميل أمين.. فرنسيس الاسيزي ...دعوة للسلام والحوار - المراقب

السبت 24 اكتوبر 2020 - 10:22 م بتوقيت القاهرة

replica omega

قبل نحو ثمانية قرون اي في العام 2019 وعلى ارض مدينة دمياط على ساحة البحر الابيض المتوسط كانت تدور رحى احدى المعارك الحامية بين الفرنجة والمسلمين ، وذلك ضمن الجولة الخامسة من جولات ما اسماه العرب حروب الفرنجة ، فيما اطلق عليه الجانب الاخر من المتوسط ، الحروب الصليبية .

غير انه وفي وسط نيران الكراهية التي اججت مشاعر العنف والغضب، واسالت الدماء ، وجد رجلان في زمن صعب ، رجلان التقت قناعاتهما على رفض ازهاق الارواح ، وعلى صنع السلام وبث الامن والامان في نفوس الناس ، ووقف مشاعر العداء بين الجانبين .

قبل نحو ثمانية قرون كان حاكم مصر هو السلطان الكامل الايوبي ابن الملك العادل الايوبي يدافع عن بلاده ضد غزوات الخارج ، وقبل ان يحتدم الصراع وتدور اعمال المعركة النهائية التي سيكتب فيها النصر المبين لجنود السلطان ، فوجئ حرسه بان هناك رجلان فقيران لا يتحدثان العربية بل بلسان مضعضع ينطقان ..” سولدان ، سولدان”، وكانت الكلمتان كافيتان لان يفهم من حولهما انهما يتطلعان الى لقاءه الحاكم، مع ما في ذلك من شكوك في هويتهمها ، وهما من ياتيان من جانب معسكر الاعداء .

بدا واضحا ان الرجلان يسعيان الى عمل من اعمال السلام لا الحرب ، فلا ملابسهما تدل على انهما جاسوسان ، كما انهما لا يحملان شيئا يشير الى نواياهما السيئة ، حتى ملابسهما ليست ملابس الجنود ، بل الزهاد والمتصوفين .

بضعة اسابيع التقى فيها فرنسيس الاسيزي ، ذلك الناسك الايطالي الذي سيضحى رمز التواضع والسلام لمدى الاجيال ورفيقه الاخ اللوميناتو مستشاره في حله وترحاله ، مع السلطان الكامل الرجل الذي رضع معرفة الاخر من شيوخ الصوفيه المصرية ، وعرف ان التعددية حكمة سماوية ، وانه :” لو شاء ربك لجعل الناس امة واحدة “، ولهذا رحب به ودارت بينهما حوارات معمقة في كافة اوجه الحياة ، ادرك السلطان من خلالها ان هناك من يرفض الحرب من الفرنجه مثله .

تعلمنا التجارب الحياتية ان من يوسوس في اذن الملك كثيرا ما يكون اهم من الملك ، وربما هذا كان حال ديدن السلطان الكامل ، فقد كان تلميذ لاحد الاقطاب الصوفية الكبرى في مصر ، الشيخ فخر الدين الفارسي ، تلميذ القطب الصوفي الاكبر ” ابو الحجاج الاقصري”.

اثمر الحوار والجوار بين الرجلين خبرة ايمانية وانسانية عميقة وغير مسبوقة عن الاخر ، فلم يعد فقط العدو ، بل باتت هناك فرصة لان يكون الاخر صديق ورفيق على درب بث السلام والطمانية حول العالم ، وبشكل خلص في ظل اشتعال اوار الحروب .

اكتشف السلطان ان هناك من المشترك الاعظم مع فرنسيس اكثر مما هو متخيل ، كان فرنسيس يستمع الى آذان الصلاة والنداء ” الله اكبر الله اكبر “، ويردد في قلبه معاني مشابهة من صلوات المزامير المسيحية ، وليمض الرجلان في تجربة عناق روحي طويل وعميق ، وليحاول السلطان لاحقا تقديم الهدايا لفرنسيس لكن الاخير يرفض الذهب والفضة ، ولا يحتفظ الا ببوق صغير يستخدمه في ايقاظ رفاقه للصلاة في توقيت مواكب لصلاة الفجر كما راها عند المسلمين .

على شاطئ مدينة دمياط الايام القليلة الماضية كانت جماهير من مسلمي ومسيحي مصر تحتفل بهذه الذكرى التاريخية ، والسؤال على الالسنة ما الذي قدمه فرنسيس والسلطان من نموذج مضيئ وضاء للعالم القديم ؟

الشاهد ان فرنسيس حمل الى السلطان شهادة مغايرة عن مسيحية المحبة ، لا الحروب ، مسيحية تخدم البشرية في سعيها لقول الحقيقية ، فقد كان فرنسيس الاسيزي يصيح باعلى صوته في معسكر الصليبيين بان خطايا جنود الفرنجه هي ما يسد الطريق الى اورشليم ، وليس المسلمين ، كما حذر كثيرا بان الفرنجة سيخسرون المعركة ، وسيتكبدون الالاف من الارواح البريئة وهو ما جرت به المقادير بالفعل .

حمل فرنسيس الى السلطان شهادة ايمان وحب وسلام ، فكان جواب السلطان اعجابا بالشهادة ، وانبهارا بالبساطة ، وترحيبا بالسلام ، هذا اللقاء العابر بين القديس والسلطان حقق بالمحبة ما يفوق اكثر من اربعين معركة حربية تسال فيها الدماء ، وغير مسيرة تاريخ العداء وسفك الدماء الى رؤية جديدة للعلاقة بين الشعوب وبين الاديان ، انه الحب ، انها القداسة ، انه عيسى الناصري الحقيقي الذي ظهر بحقيقة تواضعه ومحبته ، وليس عيسى النصارى ذلك القادم على اسنة الرماح ومحمولا على ظهور الخيل الغربية ، ذلك المسيح الطيب المحب الذي ملا عقل ووجدان فرنسيس ، وليس احد غيره ، وانعكس تاثيره الانساني والايماني على السلطان الكامل .

احد اهم الاسئلة التي طرحت خلال احتفالات مصر الايام الماضية بهذه الذكرى :” هل يكرر التاريخ نفسه ؟ بمعنى هل افرزت ايامنا الحالية رجلان اخران عهد اليهما بتغيير العالم مثلما الحال من قبل مع الاسيزي والسلطان ؟

يعلمنا كارل ماركس ان التاريخ لا يكرر نفسه ، فلو فعل ذلك لاضحى في المرة الاولى ماساة وفي الثانية ملهاة ، ومع ذلك يمكن القطع بان احداث التاريخ يمكن ان تتشابه ، وهذا ما حدث بالفعل بداية شهر فبراير شباط الماضي على ارض الامارات العربية المتحدة ، حيث التقى رجلان يمكن ان نطلق عليهما وبثقة لا حدود انهما طيبان ، خيران ومغيران، في زمن صعب .

جاء الاسيزي والسلطان في زمن الحروب الصليبية ، وارض الامارات احتوت فرنسيس اخر جاء من الفاتيكان ، وشيخ طيب جاء من الازهر ، وارادة وقيادة اماراتية تسعى لاعادة الاخوة للانسانية بوصفها وجه من وجوه النقاء البشري المفقود.

زمن صعب ولا شك الذي يعيش فيه البابا فرنسيس والامام الشيخ الطيب، ووجه الصعوبة لا يتاتى من الحروب والصدامات العسكرية المباشرة ، بل مما هو اسوا واخطر منها ، فها نحن نجد على الجانب الاوربي صحوة غير بريئة للقوميات والشوفينيات ، العصبيات واليمينيات المتطرفة ، وشرقا نجد اصوليات وراديكاليات مغرقة في الدموية ، وكلاهما يهدد بتحويل العالم الى ساحة من الحروب المقيمة .

لم يترك الاسيزي والسلطان وثيقة بعينها ، في حين ان رجلان زماننا قدما للعالم وثيقة الاخوة الانسانية، لتكون نبراسا في طريق الوفاق، ودرب يباعد بيننا وبين الافتراق ، وما بين رجلا الماضي قبل ثمانية قرون، ورجلا زماننا تسعى البشرية الى من يقدم لها يد العون لانتشالها من وهدة الالم الى دروب الراحة والشفاء .

العداء لا يفيد ، والكراهية لا تبني ، وحده السلام يبني ويجدد ، ويقيم حصون المودات ، ويهزم اسوار الكراهية .

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

replica hublot