إميل أمين.. في مفهوم السلام وقيمه الأولية - المراقب إميل أمين.. في مفهوم السلام وقيمه الأولية - المراقب

الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 - 11:30 م بتوقيت القاهرة

replica omega

في تلخيص أولي وجوهري لمفهوم السلام يمكن القول انه الحالة المقابلة للحرب والعنف، وهو كذلك سيادة أجواء الطمأنينة والسكينة والهدوء ، عوضا عن الخوف والقلق والاضطراب . والسلام هو الضد لخصام ، والمفهوم المفارق للعنف اللفظي والجسدي سواء كان ذلك بين الأفراد أو الجماعات والدول .

والشاهد إن الأصل في كيان الإنسان هو السلام، غير إن القتال وجد على وجه الكرة الأرضية منذ أن كانت الأسرة البشرية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ولاحقا تطور المشهد إلى الصراع بين الإنسان والبيئة، وفقدت الأرض سلامها، وهناك مرويات تاريخية عن الأعمال العدائية التي ارتكبها الإنسان الأول في قارة اطلانطيس ما أدى إلى ثورة الطبيعة فيها ، فاحترقت وغرقت بمن عليها من البشر جزاء مخالفة النواميس الطبيعية لاحترام الإنسان لاهية الإنسان، عطفا على الأرض المستخلف فيها.

منذ ذلك الوقت كان الإنسان يسعى للسلام ، غير انه عادة ما كان يوحل في الحرب ، ولهذا فان حلم السلام الدولي تجلى في كتابات الآباء الأولين بصورة تنزع ناحية المدنية السماوية بأكثر من محاولة إدراك مدنية الأرض العالمية التي تسودها قيم ومفاهيم العدالة والمساواة والإخاء .

في هذا السياق يكتب القديس اوغسطينوس الفيلسوف والمفكر الامازيغي الأصل عبر كتابه أو بالأحرى موسوعته الخالدة مدنية الله ” De Civitate Dei يقول إن الحرب حالة عرضية ستزول حين يستطيع مجتمع الإيمان إن يقهر عبدة الشيطان ويحقق السلام الأبدي .

وفي ثنايا حديث اوغسطينوس عن القيم الأولية للسلام يشتم المرء رائحة عزوفه عن القول بوجود تلك المنظومة القيمية على الأرض بالمرة، ويجزم بان المدينة الأرضية لا تعرف السلم لكونها مدينة الملذات والشرور، وان حالة السلام المطلقة لن يجدها الإنسان الفاضل إلا في مدينة الله، التي هي النموذج الأمثل للإنسانية جمعاء ..

لماذا يذهب اوغسطينوس هذا المذهب، وهل في نموذج مدينة الله هذا مفتاح لمفهوم السلام وقيمة التي يجب إن تتوافر على الأرض حال أردنا انتشار سلام حقيقي لا براجماتية سياسية مؤقتة، اقرب إلى الهدنة، وهذا بالفعل الذي جرى بعد الحرب العالمية الأولى ثم الثانية وكاد إن يتكرر بشكل أخر خلال الحرب الباردة ، ولا يزال يتكرر حول العالم ، من خلال حروب إقليمية صغيرة ومتنوعة، وان بات اليوم هناك هاجس بأنها ستتسع رقعتها بشكل أو بأخر لتهدد سلام العالم ؟
عند اغسطينوس القديس والفيلسوف، أن مدينة الله تغلفها العناية الإلهية وتحيط بها من كل جانب.

أما عن أبواب المدينة الكثيرة ، فمفاتيحها معلقة في مبادئ العدل والخير ، وفي اتساق دائم ابدي مع النظام والغاية والعمد المبنية عليها، والأسس المرتكزة إليها قوامها الفضيلة الخاصة … هل هذه مدينة بشر أم ملائكة وأين تتقاطع الرؤية الثيؤلوجية ” اللاهوتية ” عند اوغسطينوس مع الواقعية السياسية على الأرض ؟

في كتابة “إشكالية السلام العالمي بين ابن رشد وايمانويل كانط ” ، يشير الأستاذ “عبد القادر بوعرفة” المؤلف إلى مفهوم مثير للتأمل تجاه رؤية اوغسطينوس، إذ يعتبر أن الحديث لم يكن يدور عن مدينة سماوية إلا مجازا، غير أن مدينة الله هي أرضية نموذجا ومنهاجا، لكن الفرق هو إن أهلها يحاكون عشيرة الملائكة، ويكون السلام باسطا أجنحته على ربوعها.

ويؤكد كذلك على أن اوغسطينوس كان يقصد بمدينة الله المدينة الخالدة روما ، قبلة المسيحيين في ذلك الوقت، أولئك الذين يسعون إلى إن يحققوا وصية السيد المسيح في الإنجيل ” طوبى لصانعي السلام فأنهم أبناء الله يدعون ، وذلك في مواجهة مدينة العالم أي مدينة الإمبراطورية الرومانية المملؤة إثما وشرا وفي محاولتها لإخضاع العالم برمته لنيرها وعبوديتها … ماذا يفهم من ذلك ؟

بوضوح لا ضبابية تشوبها، فان الفكر الديني الطوباوي يمكن إن يجد له طريق على الأرض من خلال المؤمنين به، وان مدينة الله يمكن السعي إليها عبر نموذج يقدم فكرة السلم والخير والعدل على منظومة العنف والشر والظلم .

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

replica hublot