إميل أمين.. من يفتح أبواب الحوار حول العالم ؟ - المراقب إميل أمين.. من يفتح أبواب الحوار حول العالم ؟ - المراقب

الثلاثاء 19 مارس 2019 - 7:33 م بتوقيت القاهرة

replica omega

لعل اخطر ما يواجه الإنسان في القرن الحادي
والعشرين من أمراض أخلاقية يأتي داء النزعة الفردية
والميل للعزلة وضرب الجسور بين الأمم وإقامة
الحواجز العنصرية والتمذهب غير الخلاق ، في هذا
القرن تحول الاختلاف من اختلاف التنوع المحمود إلى
اختلاف التضاد المزموم، وليس من حل أمام إنسان
القرن إلا العودة لفتح أبواب الحوار واسعة على
مصراعيها لكل الأمم والشعوب والقبائل، على ان
السؤال يبقى من يفتح ابواب الحوار هل الحكومات
والانظمة ام المؤسسات الاهلية والمجتمعية ام الافراد
انفسهم ؟

قبل الجواب ربما يتوجب علينا ان نبحث في اصول
وجذور حالة الحوار وهل لها رجع صدى في الثقافة
العربية بنوع خاص ؟

في الحق أن الثقافة العربية الإسلامية قد اهتمت بالأخر
والحوار معه ووضعت منهجا ثريا للحوار أسمته

بالمناظرة، بينت فيه أصول الحوار وقواعده وشروطه
وضوابطه ،ونظرت إلى الحوار بوصفه معرفة ويؤدي
إلى معرفة ، وسيلته الأساسية السؤال الهادف إلى
الحصول على المعرفة الموضوعية .

وقد نصح الجاحظ في رسائله بعدم تعصب الإنسان لرايه
إذا تبين خطله، ونهى عن العصبية التي هلك بها عالم
بعد عالم ،والحمية التي لا تبقى دينا إلا وأفسدته ولا دنيا
إلا أهلكتها

وتطرق أبو حيان التوحيدي في كتابه الإمتاع والمؤانسة
إلى أهمية الحوار وشروطه، فبين أن الهدف من
المناظرة هو معرفة الحقائق التي عند كل طرف من
أطرافها، لان لكل أمة فضائل ورذائل ولكل قوم محاسن
ومساوئ ،ولكل طائفة من الناس في صناعتها وحلها
وعقدها كمال وتقصير .

وتناول بن حزم الأندلسي موضوع الحوار في كتابه
"الفصل في الملل والأهواء والنحل " فأكد أن الهدف منه
هو وصول الفهم أو اكتساب المعرفة والوقوف على
الحقائق، وتناول أصول الحوار في رسالتين من رسائله
هما " مراتب العلوم " والتقريب لحد المنطق "، فاشترط
الاستماع لرأي الأخر لان الحقيقة ليست وقفا على احد
فقال في رسالته الثانية " اعلم انه لا يوصل إلى معرفة
الحقيقة بالاستدلال إلا البحث ، والبحث يكون عن فكر واحد ، ويكون عن تذاكر إما من معلم أو متعلم ، وإما
من متناظرين مختلفين متباحثين .

وبحث ابن رشد في كتابه تهافت التهافت في شروط
الحوار، فأكد ضرورة رسم الحدود للحوار والتزام
المحاورين بهذه الحدود ، لان القصد من الحوار هو
طلب الحق لا إيقاع الشكوك ، ولهذا لابد أن يسمع
الإنسان أقاويل في كل شيء ، يفحص عنه إن كان يجب
أن يكون من أهل الحق .

وأدرك علماء المسلمين وفلاسفتهم أن الإنسان لا يمكن
أن يملك الحقيقة كاملة، فأكد الشهرستاني في كتابه
الملل والنحل أن الحق والحقيقة منبثان في كل مله
ونحله ، ولابد من ضوابط وقواعد للحوار لئلا يمس
جدلا وعنادا .

في هذا السياق يمكننا القول ان الجور طبع في الإنسان
أما العدل فهو تطبع ،وإن الظلم انسيابي تلقائي من
الطبيعة البشرية ، أما الإنصاف فهو تكلف ومجاهدة ،
لذلك الأديان كلها جاءت برسالة تحقيق العدل ، ومن قبل
الأديان تكلم الفلاسفة .

يقول الفيلسوف اليوناني أرسطو الظلم من طباع النفوس
وإنما يصدها عن ذلك احد علتين : إما علة دينية لخوف
معاد ، أو علة سياسية لخوف سيف .

وكثيرا ما تكون القوة المفرطة والسلطة المفرطة هي
المشكل ولهذا يقول القران الكريم " إن الإنسان ليطغي
إن رآه استغنى .

فيما ذهب برتراند راسل الفيلسوف البريطاني الشهير في
كتابه السلطان إلى أن كل واحد لا مانع لديه أن يصبح
احد آلهة الاولمبي .

وأكد هذه الحقيقة الإمام الغزالي في قوله إن أعظم
اللذائذ الحكم، وان أخر ما يخرج من قلوب الصالحين
متعة الألوهية.

وفي المثل العربي : يا حبذا الأمارة ولو على حجارة.
وقد مرت أزمان كان فيها الإنسان يستعبد أخاه الإنسان
ويفعل به ما يشاء، وكأنه شيء من الأشياء وليس أخا له
في الإنسانية والانتماء إلى ذات الأصل الواحد والتميز
بذات النفخة الإلهية الأزلية حين نفخ فيه الرب من روحه
.

وقامت حضارات في بابل وطيبة وأثينا وروما وبغداد
على الاستعباد ورق الإنسان لأخيه الإنسان وأصبحت
هذه الحضارات أثرا بعد عين ،ولكن التاريخ بقى حاملا
مأساة استعباد الإنسان للإنسان .

والغريب في الأمر هو اضطهاد الإنسان للإنسان إنما
يمارس باسم قيم عليا ومثل نبيلة وفضيلة يدعى الدفاع
عنها .

واستلزم الأمر آلاف السنين حتى استطاع الإنسان أن
يحقق بعض التقدم في إنسانيته ولا نقول في علمه أو
تقنيته أو معرفته وكان الثمن المدفوع دما ودموعا أثقلت
كاهل تاريخ مازال يئن تحت وطأتها .

نعم إن الإنسان تقدم كثيرا في علمه وتقنيته ومعارفه عن
نفسه وعن الكون من حوله ،ولكنه بقي متخلفا في ما
يتعلق بعلاقة الإنسان بالإنسان .

جاءت الأديان لتذكر الإنسان بإنسانيته ، وجاء المفكرون
عبر التاريخ مذكرين بإنسانية الإنسان ومنذرين من نتائج
اضطهاد الإنسان لأخيه الإنسان، فقال المفكر الفرنسي
الكبير " جان جاك روسو ولد الإنسان حرا ولكنه مقيد
بالأغلال في كل مكان .
وجاءت الثورة الفرنسية لتؤكد على انه يولد الناس
أحرارا ويظلون أحرارا متساويين في الحقوق .

وأخيرا وصل الإنسان إلى قناعة بان إنسانية الإنسان
واحترام كرامته هي أساس كل مجتمع إنساني، أو
يستحق أن يوصف بهذه الصفة، فكان الإعلان العالمي
لحقوق الإنسان والذي يشير في بنده الأول إلى أن " كل
البشر يولدون أحرارا ومتساويين بالكرامة والحقوق
ويتميزون بعقول وضمائر وواجبهم التعامل مع بعضهم
بعضا بروح الإخوة .

ولعله من البديهي القول أن الأديان بحكم انتمائها إلى
السماء فأنها لا تأمر إلا بالخير والحق والصلاح ولا
تدعو إلا بالبر والحب والرحمة والإحسان ولا توصي إلا
بالامن والسلم والسلام وما كانت يوما في حد ذاتها عائقا
أمام التبادل والتلاقح والتثاقف ولا أمام العيش والتعايش
والتعارف والحوار وإنما العائق يكمن في الذين يتوهمون
أنهم يمتلكون الحقيقة المطلقة ويستغلون الأديان في أقدار
الناس ومصائرهم ، تلك المهمة التي أبى الله تعالى أن
يمنحها لأنبيائه الأخيار .

مسؤولية الحوار اذن تقع على عاتق الجميع حكومات
وانظمة وهيئات ومؤسسات مجتمع مدني ومواطنين ،
ذلك أن البديل هو الأقتتال والأحتراب من شارع الي شارع ومن وطن الي وطن، فإنظر ماذا تري ؟

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

replica hublot