نادر جوهر.. البارون والشيخ!! - المراقب نادر جوهر.. البارون والشيخ!! - المراقب

الخميس 13 اغسطس 2020 - 1:59 ص بتوقيت القاهرة

replica omega

في نهايه القرن التاسع عشر، كان البارون البلچيكي إمبان يمتلك حوالي ١٠٥ شركه حول العالم، وصلت استثماراته الي الهند، والصين، وروسيا، وجنوب افريقيا، بالاضافه الي أوروبا. عندما وصل الي مصر، وقع في غرامها مثل العديد من الأجانب في ذلك الوقت، حيث كان جزء من مصر قطعه من أوروبا، وكانت قريبه من دول البحر المتوسط، ومحتفظه بسحر الشرق، وبها نظام حكم متمدين ونظام ديمقراطي ومنفتح، والأجانب مرحب بهم، ووصل بالبارون إمبان الامرالي الاقامه الدائمه، وإنشاء اكبر استثماراته.

بدأ البارون استثماره في منطقه صحراوية بالقرب من القاهره، اطلق عليها هليوبوليس، تيمنا بالمدينه المصريه القديمه ذات الحضاره، لم يلق معاناه او بيروقراطيه في شراء الأرض لاستثماراته، كذلك وجد شريكا من أهل البلد رجل مال وبنوك وأعمال هو نوبار باشا.

قامت استثمارات إمبان في مصر علي ثلاثه عوامل نجاح، أولها حبه لمصر حتي انه جعلها مقره الدائم طوال حياته، وأيضا مدفنه بعد مماته، وثانيها هو استخدامه لاحدث تكنولوجيا ظهرت في عصره، وثالثها هو التسويق الجيد لمشروعاته.

هذه العوامل الثلاثه ساندها جانبين، الأول هو ان البارون كشخصيه أوروبيه كانت له أصول ثقافية وحضاريه وفكر متنور، يأتي لمصر من أوروبا بعد ظهور الثوره الصناعيه، وقياده أوروبا للعلم والتقنية والثقافه والفن العالمي. الجانب الثاني هو وجود حكومه مصريه منفتحه، متأثره بحركه التقدم والتطوير التي قادها محمد علي، وأيضا طبقه من السياسيين ورجال الاعمال المصريين، تعلموا في أوروبا وعلي وعي بالتطور العالمي، ويمتلكون الشعور الوطني القوي.

حتي ينجح البارون إمبان في مشروعه لبناء مصر الجديده، وتطبيقا لعامل النجاح الأول في حرصه علي انشاء مشروع مصري، فانه لم يلجأ لكبار المهندسين المعماريين بأوروبا، ولكنه لجأ الي الشباب خريجي اقوي مدارس الفن والعمارة في ذلك الوقت، وهي مدرسه الفنون الجميلة بباريس، قام البارون بدعوه انبه خريجيها البالغ من العمر ثمانية وعشرون عاما، والذي كان منبهرا بالعمارة العربيه، خاصه الجوامع، ودعاه لزياره مصر، وذهب معه في رحله ركوب خيل في صحراء مصر الجديده، وأطلعه علي مساحه الأرض، وقال له انا احب القاهره، وقد قام الخديوي إسماعيل ببناء وسط المدينه علي طابع باريس، وانا اود بناء مصر الجديده بطريقه حديثه، ولكن بطراز مستمد من مصر وأهلها، وطلب منه تصميم منطقه وسط المدينه، وهي الآن منطقه روكسي والكوربه، وبعض المباني الضخمه حولهما، وهذا هو السبب في شكل مباني المنطقة ذات الطابع المعماري الحديث، ذو الصبغة العربيه الشرقيه. حرص البارون أيضا قبل بدأ البناء علي عمل مسح اثري للمنطقه، وعده حفريات للتأكد من عدم وجود آثار قد يتسبب البناء في تدميرها او إخفائها، مما يؤكد لك حرصه واحترامه للبلد التي منحته فرصه الاستثمار بها. استعان إمبان أيضا باثنين آخرين من المهندسين خريجي نفس المدرسه الباريسية لبناء باقي المدينه، فحرص علي منح أراضي مجانيه للطوائف المسيحية المختلفه لبناء كنيسه لكل طائفه وأيضا أرضا لبناء كنيس يهودي، وأرضا لبناء احد اكبر الجوامع، وهو جامع عباس حلمي، الذي افتتحه الخديوي واطلق اسمه عليه، وتلاه الملك فؤاد ببناء جامع آخر، ثم مجموعه جوامع داخل المدينه، كان هدف البارون من ذلك هو ان تكون المدينه جامعه لكل الطوائف والأديان. بعد بناء مجموعات من المنازل الفاخرة، طلب البارون من مهندسيه الا تكون مصر الجديده مدينه للصفوه فقط، بل يجب ان يكون للفقراء والعامه مكانا أيضا، فقام ببناء منازل من دور واحد، حرص علي الا تكون مطله علي مناور، وانما يكون لها رؤيه مطله علي حدائق أمامها، وان يكون بها الجزء المفتوح، الذي يسميه المصريون الساحه او الدوار، لتتلاءم مع اُسلوب معيشتهم، ولتكون مصر الجديده مدينه لكل الطبقات الاجتماعيه، وكل الطوائف الدينية.

لتحقيق البارون لعامل النجاح الثاني لمشروعه، وهو استخدام أفضل التكنولوجيات الحديثه، فقد كان وقتها بدايه ظهور استخدام الخرسانة المسلحه في البناء، فاعتمدها كتقنية حديثه وكان اول تطبيقها في منزله الخاص، وهو قصر البارون الشهير، والمتأثر بالعمارة الهنديه، ليكون متفردا في طابعه، فقد استخدمت الخرسانة لبناءه لأول مره في مصر، وكانت الأجزاء يتم صبها في بلچيكا، ثم تركيبها بالقاهره، فتم بناء القصر بطريقه التركيب كلعبة الليجو الشهيرة. كذلك كانت بدايه ظهور تكنولوجيا ادخال الكهرباء في النقل الجماعي، فأنشأ مترو مصر الجديده ليسير بالكهرباء.

لتحقيق العامل الثالث وهو الدعايه والتسويق الجيد، قام البارون بحمله دعايه وإعلان في أوروبا لمشروعه في مصر، ثم اشتري سفينتين بخاريتين من إنجلترا، يستطيعان السفر من مارسيليا الي الإسكندرية في ثلاثه أيام، لينظم رحلات سريعه لزياره مشروعه للأوروبيين والاستثمار بالشراء به. ثم انشأ فندق بالمدينه الجديده تم تصنيفه علي انه اكثر فنادق العالم راحه، والذي هو حاليا قصر الاتحادية، ودعا ملك وملكه بلچيكا لزيارته، فاعجبهم وأقاموا به شهرا كاملا، واستقبلوا افراد من العائلات الملكية الاوروبيه أتوا لزيارتهم، مما صنف المدينه الجديده كأحد أمتع الأماكن للاقامه والزياره بالعالم.

مع تفهم الحكومه المصريه للاستثمار الجديد، يسرت وفتحت المجال للبارون للتعاون، فأنشأ شركه للسكك الحديدية بالتعاون مع سكك حديد مصر، وشاركته ايمانا وتبنيا لفكره الاستثمار والتنمية، في شركه لتوليد الكهرباء، وشركه لإنشاء وأداره الفنادق، وشركه ترام مصر، وشركه مراكب لخدمه البريد المصري، وشركه ملاحه، وشركه عقارات والبنك البلچيكي وغيرها، اصبح البارون إمبان اكبر المستثمرين الأجانب في مصر ولكن لحقه أيضا عدد من المستثمرين الأجانب بعد نجاح تجربته.

استمرت تجربه إمبان ناجحه، وبعد وفاته استمر ولديه في متابعه الاستثمارات، حتي نهايه الخمسينات، ليبدأ مسلسل الانهيار، فبعد سنوات قليله من ثوره يوليو أعلن عبد الناصر سياسه مناصرته للفقراء، التي رحب بها الجميع، ولكن بدلا من زياده الاستثمار، وتوفير مزيد من فرص العمل، لجأت الثوره الي نظام التأميم الذي لم يكن تقليما لاظافر الرأسماليه، ولكن كان قطعا ليديها، فتم تأميم شركه مصر الجديده، وجاءت خطه توسعها بإنشاء مدينه نصر امتداداً لها، ولتكون مباني للطبقة الوسطي فقط، فتم السماح ببناء ارتفاعات ثمانية أدوار، والعديد من المباني الحكومية والعسكرية، ثم نالها فساد المحليات، فظهر ما اطلقوا عليه حوت مدينه نصر، وعدد آخر من مقاولي البناء، ليرفعوا البناء من ثمانية أدوار الي الضعف وأكثر، ولم يتم مراعاه قواعد وجود أماكن لركن السيارات، او الالتزام بالأماكن المحددة كمناطق تجاريه، لتصبح شوارع مدينه نصر كلها جراجات للسيارات، ومحلات تجاريه بلا رابط وزحام متواصل. انتقلت بعدها العدوي الي مصر الجديده، فتم هدم عشرات المباني والفيلات الاثريه، لتقام مباني قبيحه غير ملتزمه بالارتفاعات، وتنتشر الأماكن التجارية وسط الأحياء السكنيه، ولتصاب المباني الجميلة التي أقامها البارون إمبان بحاله من الإهمال والقبح، بسبب قانون تجميد الإيجارات الساري حتي الآن.

حاليا تنبهت الحكومه لمنطقه مصر الجديده، فبدأت بحل مشكله المرور بها بشكل جذري، مع التشدد في هدم الفيلات والمباني الاثريه، في محاوله لإنقاذ ما تبقي، ولكننا لم نحاول الاستفاده من تجربه مصر الجديده عند بناء العاصمة الاداريه الجديده، حتي ولو في فكره الطراز المعماري، او ان يسبق خط المترو عمليه البناء.

بعد مرور قرن من بدايه استثمارات البارون إمبان في مصر، والتي بدأت في نهايه القرن التاسع عشر، واستمرت حتي منتصف القرن العشرين، ظهر مستثمرون أجانب في نهايه القرن العشرين وحتي الآن، وبعد اتباع الرئيس السادات لسياسه الباب المفتوح للاستثمار، ولكننا عندما ننظر الي اكبر ثلاث مستثمرين أجانب في مصر، ونقارنهم باستثمارات البارون إمبان، فاننا نجد فرقا شاسعا في فكر وطريقه الاستثمار، تتمثل في عده نقاط هامه.

اول هذه النقاط هو شخصيه المستثمر، فالبارون إمبان جاء من ثقافه وحضاره وتكنولوجيا متطورة، كان يعلم بان مشروعاته يجب ان تمتزج بطابع البلاد، ووجد حكومه متعاونه وبها قوانين واضحه وساريه.

اما اكبر المستثمرين الأجانب في مصر في نهايه القرن العشرين، فهم ثلاث عائلات حضروا من منطقه الخليج، لم يمتلكوا الثقافه والحضارة التي امتاز بها البارون إمبان، ومن استعان بهم لتنفيذ مشروعاته من خيره شباب مصر وأوروبا، وكذلك تساندهم فنون راقيه ووعي حضاري وجمالي مصاحب للثروة والجاه، ولكنهم علي الأقل امتلكوا حبا لمصر، بدليل انه ما ان توفرت لهم الأموال البترولية كان اول توجههم للاستثمار هو مصر.

تركزت استثمارات العائله الأولي في العقار، واستثمار الاستهلاك المتمثل في المولات التجارية الضخمه، كان الغرض من استثمارات العقار هو تلبيه احتياجات السوق المصري سريعا، فتم بناء مساكن ومنتجعات بطريقه سريعه وتجاريه، ليس لها طابع معماري مميز، اغلبها نسخ سيئه من العماره الإيطالية، لتعطيك مجرد الانطباع بذلك، اما المولات التجارية فكانت تكرارا لتجربه ناجحه في دول الخليج، تجعل المواطن يشعر بانه تحضر وأصبح مثل أوروبا، لانه يتسوق البضائع الاوروبيه داخل المول.

العائله الثانيه تركزت استثماراتها في بعض المصانع الصغيرة بمنطقه العين السخنه، ومنتجعات سياحيه بالبحر الأحمر، ولكن كان لهم تفوق واضح في ادخال مطاعم الوجبات السريعه، المتمثله في سلاسل محلات البيتزا والهامبورجر والكافيهات، ليحققوا أرباحا بالملايين، ولكن أيضا لتغيير نمط طعام المصريين.

العائله الثالثه استثمرت في انشاء البنوك وشركات الأموال، وبعض المطاعم السياحيه، ولكن ظهورها الأكبر كان في مجال الاعلام، وحيث تدخلت السياسه مع الاستثمار، ففي مجال الاعلام لجأت الشركه لمصر، لتوفر بنيه تحتيه خاصه طاقم الفكر الإبداع، كذلك اشترت مايقرب من ثلث التراث السينمائي المصري، لتخرج القنوات مدعمه بمواد تليفزيونية بسهوله، وقد حقق ذلك انشاء قناه سعوديه تهرب من محاذير البث المتزمتة داخل المملكة، ولكنها أيضا جاءت في وقت قررت فيه المملكة اتباع سياسه الانتشار العالمي، والتسيد العربي، وباستخدام الاعلام، وكانت الطريقه التي اتبعها السعوديون ووجدوا فيها سلاحا سهل الاستخدام هو الدين، فلم يكن انتشارهم قائم علي العلم، او الصناعه، او الثقافه، او التكنولوجيا، وانما الدين، فمولوا الهيئات الاسلاميه حول العالم وبنوا مساجد ضخمه في كل عاصمه ومدينه كبيره حول العالم، ليجعلوا من أنفسهم المرجعية الوحيدة لمسلمي الكون، وقد تم التوافق مع رجال الاعمال في مجال الاعلام، حيث كان القصر الملكي يعطي تمويلا سنويا للشبكات السعوديه الجديده، لتحقيق السيطره الاعلاميه التي تحقق التفوق السياسي، ولتعويض ما قام به البارون إمبان في استثماراته من استخدام الحضاره والثقافه والفن، ليلعب جزءا من عمليه الاستثمار، لم يجد المستثمر السعودي مثل هذه الوسائل التي هي غير متوفره في منشأه، فلجأ لحضاره الدين، فشاهدنا المطاعم التي لا تقدم الكحول، والبنوك التي لاتعطي فوائد، والأفلام التي يتم قص مشاهدها، وساد التدين المظهري، وأفكار القرن التاسع الميلادي.

العجيب ان المملكة بدأت في نبذ هذه السياسه ومحوها، لانها أوصلتهم للتطرف والتباعد التكنولوجي، بل هددت بسقوط انظمه الحكم، ولكنهم تركوا لنا ارث ثقافي واقتصادي بثوه لنا لمده أربعون عاما في غفله من حكامنا في مصر ووزراء ثقافتنا، وحتي ازهرنا، لان المال كان سيد الموقف، ومازلنا نتبع اغلبه، ونحتاج الي جيل كامل للتخلص منه.

وهكذا مائه سنه فرق بين نوع المستثمر الأجنبي في مصر بين البارون والشيخ، وبين انظمه الحكم التي تتعامل مع المستثمرين، وبين الشعب الذي يتم تغيير ثقافته ووجدانه وحتي مأكله ومشربه.

FacebookTwitterGoogle+Share

تعليقات الموقع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

replica hublot